نشر هذا المقال بجريدة المسائية (الجمعة 21 مارس2008) مقال وجدت فيه إخلاص ووفاء لواحد من تلاميذ رجاء النقاش الذي لم يلاقهم في حياته لكنهم ظلوا على عهدهم السري معه
المثلث الذهبي ... رجاء النقاش
مفتونا كنت بهذا الرجل .. وكنت أحتار. كيف يقرأ؟ كيف يتحدث؟ كثير من الكتاب.. لا يجيدون الأشياء الثلاثة معا. فكثيرون يجيدون فن القراءة، لكن لا يجيدون فن الكتابة، وكثيرون جدا يجيدون فن الحديث لكن لا يجيدون لا الكتابة ولا القراءة. المثلث الذهبي وحده كان الأستاذ رجاء النقاش يجيدهم في منتهى السلاسة.. لا أعرف ما سر ارتباط كرة القدم عندي وفن الكتابة ـ صحيح أن الأثنان فن ـ لكن أجد شيئا مشتركا بينهما ينحصر في تعبير واحد "كالسكين في قطعة الجاتوه"، لاعب كرة موهوب سلس في تحركاته وتمريراته، وكاتب موهوب سلس في الكتابة. الأستاذ رجاء من ذلك النوع الرفيع من الكتاب، كان "كالسكين في قطعة الجاتوه". 0
لم أقرأ لكاتب مثله يكتب بهذه البساطة والعمق والفن ، قد يقول قائل أني أبالغ، لكن الرجل الآن بين يدي الله ولا يعنيه ما أكتبه بل أكتب عنه بما شعرت به عندما قرأت له لأول مرة في مجلة "الشباب" في بداية التسعينيات. وقتها كان يكتب عن شخصيات عامة تركت أثرا كبيرا في العالم، هذه المقالات بعد أن انتهت، قام بجمعها في كتاب باسم "عباقرة ومجانين". كان يجعلك تقرأ كأنك تشاهد. يرصد أدق التفاصيل في الشخصية التي يكتب عنها دون عناء، هناك كتاب تشعر أنهم يعتصرون عصرا وهم يكتبون، فتجعل القارئ يختنق مما يقرأه، لكن رجاء النقاش كان بسيط العبارة سهل التعبير دقيق الملاحظة. فهو يرى المسمار المثني في رجل الكرسي المكسور. لذلك كانت كل مقالاته تتسم بالدقة والملاحظة واتذكر ما كتبه في مجلة "المصور" عن الدكتور يوسف أدريس عند وفاته، كتب يقول "يوسف كان كف يده كبير وأصابع يده كبيرة بينما أنا كف يدي صغير. يضيع في مساحة كفه الواسعة".0
وأكثر ما كان يعجبني في الأستاذ رجاء ـ ككاتب وأنا كقارئ محترف ـ تلك المرونة الرائعة فهو لا يعادي احدا إلى الأبد ولا يحب أحدا إلى الأبد، وقليلون في مصر عادة هذا النوع من الكتاب. فالأستاذ كان لا يبالي بشئ سوى ما يقتنع به. والدليل على ذلك موقفه من الفنان نور الشريف عندما قام ببطولة فيلم "ناجي العلي" هذا الفيلم الذي لاقى هجوما شرسا وعنيفا من ابراهيم سعده ومعه كل كتيبة "أخبار اليوم" ولأسابيع متتالية، جعلت دور السينما ترفع الفيلم، بل وجعلت نور الشريف نفسه يعتذر عن هذا الدور في إحدى حلقات برنامج "نجم الجماهير" لمقدمته فريال صالح، في وسط هذه الهجمة الشرسة كان للأستاذ رجاء رأي آخر مخالف كتبه في ثلاث صفحات بمجلة "المصور" ودافع عن ناجي العلي الذي كان صديقه، ودافع عن نور الشريف والذي في ختام مقالته إنه لا يعرف نور الشريف شخصيا ولم يقابله يوما كييبعد الشك عن قلوب المشككين. هذا هو الأستاذ رجاء النقاش الذي اكتسب حب واحترام القارئ.0
سمعت كثيرون يتهمون رجء أن سبب تقلده المناصب الكثيرة هو صلة قرابة تجمعه بأحد ضباط الثورة وتحديدا ـ كمال رفعت ـ لكن الذي لا يعرفه هؤلاء أن الموهبة لا تحتاج لواسطة، الموهبة كافضيحة لا بد لها أن تكتشف وتنتشر، والأستاذ رجاء يمتلك موهبة فذة في انتاج المجلات وخير دليل على ذلك تلك المجلات التي ترأسها من الهلا والإذاعة والتلفزيون والدوحة والكواكب. موهوب في صناعة شخصية مستقلة لا تشبه أحدا، يجيد إختيار من يساعدوه ليكون فريقا متناغما يعزف لحنا جميلا باسم رجاء النقاش. كان صادقا واثقا من نفسه ومن وهبته، ولذلك كان يستقبل كل ما يكتب من القلب بقلبه. لذلك كان يحتفي بكل موهبة جديد في الأدب كأنه ابنه، يقدمه للقارئ على طبق من ذهب، متحمسا بدرجة مبالغة وتصدق مبالغته عندما تتابع هذه الموهبة بعدما يقدمها بنفسه.. حتى خرج كتابه الشهير "ثلاثون عاما مع الشعر والشعراء" جمع فيه من اكتشف موهبتهم ودافع عنهم. كتاب فخم ضخم لا يمكن أن تتركهإلا بعد الانتهاء من كل سطر فيه. لا يوجد كلمة مكررة لشاعرين، لا يوجد جملة تشبه الأخرى عن روائيين، وهو يقدم لك الشعر أو القصة أو الرواية يجعلك تشتاق لقرائتها كاملة، فعنصر التشويق عنده يجعلك تحب العمل قبل قرائته، ولي تجربة ذاتية عندما قرأت في ما كتبه الأستاذ في مجلة "المصور" عن رواية الكاتب العظيم بهاء طاهر "خالتي صفية والدير"، وهو ما جعلني ابحث عن الرواية عند بائعي الصحف وقرأتها في ليلة واحدة كعادتي في قراءة الروايات الجميلة. الأستاذ رجاء كان يكتب عن العمل الأدبي بحب، فيجعلنا نحب ما كتب قبل أن نقرأه.0
هكذا كان الأستاذ رجاء النقاش عاش جميلا محبا للحياة وللناس، فأحبه الناس. ويكفيه أن له عاشقين مثلي ترك فيهم أثرا لم ينسى. رحم الله الأستاذ العظيم .. صاحب الضحكة الطفولية الجميلة والقلب الكبير.0
أستاذي العزيز.. أكتب تلك المقالة من الوضع واقفا احتراما وإجلالا لشخصك!!0
بقلم : طارق رضوان
T_rdwan@yahoo.com
لم أقرأ لكاتب مثله يكتب بهذه البساطة والعمق والفن ، قد يقول قائل أني أبالغ، لكن الرجل الآن بين يدي الله ولا يعنيه ما أكتبه بل أكتب عنه بما شعرت به عندما قرأت له لأول مرة في مجلة "الشباب" في بداية التسعينيات. وقتها كان يكتب عن شخصيات عامة تركت أثرا كبيرا في العالم، هذه المقالات بعد أن انتهت، قام بجمعها في كتاب باسم "عباقرة ومجانين". كان يجعلك تقرأ كأنك تشاهد. يرصد أدق التفاصيل في الشخصية التي يكتب عنها دون عناء، هناك كتاب تشعر أنهم يعتصرون عصرا وهم يكتبون، فتجعل القارئ يختنق مما يقرأه، لكن رجاء النقاش كان بسيط العبارة سهل التعبير دقيق الملاحظة. فهو يرى المسمار المثني في رجل الكرسي المكسور. لذلك كانت كل مقالاته تتسم بالدقة والملاحظة واتذكر ما كتبه في مجلة "المصور" عن الدكتور يوسف أدريس عند وفاته، كتب يقول "يوسف كان كف يده كبير وأصابع يده كبيرة بينما أنا كف يدي صغير. يضيع في مساحة كفه الواسعة".0
وأكثر ما كان يعجبني في الأستاذ رجاء ـ ككاتب وأنا كقارئ محترف ـ تلك المرونة الرائعة فهو لا يعادي احدا إلى الأبد ولا يحب أحدا إلى الأبد، وقليلون في مصر عادة هذا النوع من الكتاب. فالأستاذ كان لا يبالي بشئ سوى ما يقتنع به. والدليل على ذلك موقفه من الفنان نور الشريف عندما قام ببطولة فيلم "ناجي العلي" هذا الفيلم الذي لاقى هجوما شرسا وعنيفا من ابراهيم سعده ومعه كل كتيبة "أخبار اليوم" ولأسابيع متتالية، جعلت دور السينما ترفع الفيلم، بل وجعلت نور الشريف نفسه يعتذر عن هذا الدور في إحدى حلقات برنامج "نجم الجماهير" لمقدمته فريال صالح، في وسط هذه الهجمة الشرسة كان للأستاذ رجاء رأي آخر مخالف كتبه في ثلاث صفحات بمجلة "المصور" ودافع عن ناجي العلي الذي كان صديقه، ودافع عن نور الشريف والذي في ختام مقالته إنه لا يعرف نور الشريف شخصيا ولم يقابله يوما كييبعد الشك عن قلوب المشككين. هذا هو الأستاذ رجاء النقاش الذي اكتسب حب واحترام القارئ.0
سمعت كثيرون يتهمون رجء أن سبب تقلده المناصب الكثيرة هو صلة قرابة تجمعه بأحد ضباط الثورة وتحديدا ـ كمال رفعت ـ لكن الذي لا يعرفه هؤلاء أن الموهبة لا تحتاج لواسطة، الموهبة كافضيحة لا بد لها أن تكتشف وتنتشر، والأستاذ رجاء يمتلك موهبة فذة في انتاج المجلات وخير دليل على ذلك تلك المجلات التي ترأسها من الهلا والإذاعة والتلفزيون والدوحة والكواكب. موهوب في صناعة شخصية مستقلة لا تشبه أحدا، يجيد إختيار من يساعدوه ليكون فريقا متناغما يعزف لحنا جميلا باسم رجاء النقاش. كان صادقا واثقا من نفسه ومن وهبته، ولذلك كان يستقبل كل ما يكتب من القلب بقلبه. لذلك كان يحتفي بكل موهبة جديد في الأدب كأنه ابنه، يقدمه للقارئ على طبق من ذهب، متحمسا بدرجة مبالغة وتصدق مبالغته عندما تتابع هذه الموهبة بعدما يقدمها بنفسه.. حتى خرج كتابه الشهير "ثلاثون عاما مع الشعر والشعراء" جمع فيه من اكتشف موهبتهم ودافع عنهم. كتاب فخم ضخم لا يمكن أن تتركهإلا بعد الانتهاء من كل سطر فيه. لا يوجد كلمة مكررة لشاعرين، لا يوجد جملة تشبه الأخرى عن روائيين، وهو يقدم لك الشعر أو القصة أو الرواية يجعلك تشتاق لقرائتها كاملة، فعنصر التشويق عنده يجعلك تحب العمل قبل قرائته، ولي تجربة ذاتية عندما قرأت في ما كتبه الأستاذ في مجلة "المصور" عن رواية الكاتب العظيم بهاء طاهر "خالتي صفية والدير"، وهو ما جعلني ابحث عن الرواية عند بائعي الصحف وقرأتها في ليلة واحدة كعادتي في قراءة الروايات الجميلة. الأستاذ رجاء كان يكتب عن العمل الأدبي بحب، فيجعلنا نحب ما كتب قبل أن نقرأه.0
هكذا كان الأستاذ رجاء النقاش عاش جميلا محبا للحياة وللناس، فأحبه الناس. ويكفيه أن له عاشقين مثلي ترك فيهم أثرا لم ينسى. رحم الله الأستاذ العظيم .. صاحب الضحكة الطفولية الجميلة والقلب الكبير.0
أستاذي العزيز.. أكتب تلك المقالة من الوضع واقفا احتراما وإجلالا لشخصك!!0
بقلم : طارق رضوان
T_rdwan@yahoo.com




.jpg)




