Sunday, August 12, 2007

ما بين الزقاق والحارة كان الكنز محفوظ






هناك على بعد أمتار من المشهد الحسيني وفي 11 ديسمبر 1911، أعلن القدر ميلاد واحدا من عمالقة الأدب، إنه النجيب " نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد باشا" هذا هو اسمه كاملا، هذا المكان " حي الجمالية والحسين" هما شاهدا حياة وممات هذا الرجل العملاق، وكما يقولون أن الأشجار تموت واقفة مات محفوظ واقفا.
رغم أنى أنتمي لجيل ما يسمى الشباب، إلا أنني شرفت بصحبته من أن كان عمري عشر سنوات وتحديدا في أثناء دراستي بالصف الأول الإعدادي، أي من حوالي خمسة عشر عاما، دلفت إلى مكتبة المدرسة لأستعير روايته " حضرة المحترم" قرأته في ثلاثة أيام، وكانت هذه هي العلاقة الأولى بيني وبين الأستاذ، وكأنها كانت إرهاصة مني، وبعد مرور سنون وسنون، وقفت أمام كبار أساتذة الأدب والنقد في مصر والوطن العربي، لألقي على مسامعهم خطة البحث المقدمة مني لنيل درجة الماجستير من أكاديمية الفنون بمصر حول " جماليات المكان في الرواية .. قاهرة محفوظ أنموذجا"، استرسلت في حديثي مع أساتذتي لمدة تزيد عن العشرين دقيقة وكأنني أروي لهم قصتي مع هذا العملاق، وبعدها وجدت ثناء ما كنت لأحلم به من أساتذة وعمالقة " الأستاذ الدكتور نبيل راغب أستاذ الأدب والنقد الأدبي، الأستاذ الدكتور صلاح قنصوة أستاذ فلسفة الجمال وهو نفسه المشرف على الرسالة، الأستاذة الدكتورة الناقدة نهاد صليحة، الأستاذ الدكتور نبيل صادق أستاذ فلسفة الفنون" جميعهم أساتذتي ومنهم من صاحب الأستاذ نجيب محفوظ لفترة طويلة وتأثر به كثيرا، مثل الدكتور نبيل راغب والذي كتب روايتين أقل من نقول عنهما إنهما بروح نجيب محفوظ (شق الثعبان، وقلعة الكبش).
لاحت برأسي فكرة لقاء الأستاذ ، أمسكت بسماعة الهاتف وطلبت الروائي الجميل يوسف القعيد، وطلبت منه أن يخبر الأستاذ برغبتي الشديدة في لقاءه وإطلاعه على بحثي، وبعد يومين اتصل بي الأستاذ يوسف ليمنحني رقم هاتف منزل الأستاذ، وأبلغني بأن الأستاذ بنفسه أبلغ الأستاذ يوسف رغبته في أن يلقاني على أن أهاتف السيدة الفاضلة عطية الله زوجته وأحدد معها الموعد المناسب، وبالفعل أتصلت وشعرت بأن أمي هي من تحدثني، صوت أجش وقور، تمتزج جديته بحنان وعفوية غير عادية، سمعتها تتحدث للأستاذ وحدد هو الموعد مساء السادس عشر من أبريل بفندق " شبرد". طرت فرحا سألتقي بأستاذي وأحقق حلمي، ذهبت في الموعد لأجد الأستاذ وحرافيشه جالسون على أضواء خافتة، تناسب شبكية الأستاذ، لم أشعر إلا وأنا أمام الأستاذ أقبل يده وجبينه، ربت على كتفي وابتسم كما الطفل وسألني من أنتِ؟ أجابه أحد حرافيشه الباحثة التي حددت لها موعدا منذ يومين، أشار لي بالجلوس على المقعد المجاور له، حدثته واستمع لي بكل إنصات واهتمام، وكان يرد علي في منتهى الهدوء بجمل قصيرة ـ كعادته منذ أيام الشباب ـ وهذا ما عرفته من أستاذي نبيل راغب، ومن الروائي يوسف القعيد، طلبت من الأستاذ أن يوقع لي نسخة من روايته " زقاق المدق " فوقعها لي بيد مرتعشة، والغريب إنه دون أن يسأل أحدا كتب تاريخ اليوم!!! تعجبت قليلا ، ولكنني تذكرت إنني أمام العملاق، فلم تهزمه السنون ولا الأمراض. وفاجئني الأستاذ حين طلب إشعال سيجارته ومعها فنجان الشاي المحبب له، هذه العادة لم ينقطع عنها إلا منذ أن دخل إلى المستشفى للمرة الأخيرة، فرغ من سيجارته وفنجانه، وعاد إلينا يستمع ما نقول ونناقش، وتتلخص تعليقاته إما في كلمة أو جملة أو إيماءة بسيطة، خرجت من الجلسة وأنا في منتهى السعادة، وظللت احلم بها أياما طويلة بعد هذا اللقاء.

تكرر اللقاء لأرى كل مرة شخصا جديدا يحمل لمحة من لمحات أبطاله، السيد احمد عبد الجواد، كمال عبد الجواد، عيسى الدباغ، صابر سيد سيد الرحيمي، سعيد مهران، وغيرهم كثيرون، أستطاع محفوظ أن يحفرهم في ذاكرة أمة بأكملها، بل ويخرج بهم إلى دائرة العالمية. المكان أيضا كان بطل من أبطال محفوظ في معظم عن لم يكن كل رواياته، يصور نجيب محفوظ حواري الجمالية والحسين وخان الخليلى كعالم بذاته ، تتصادم فيه ثقافات وطباع وربما حضارات، هنا المساجد والبارات، هنا رجال الحارة ونسوتها ومعهم جنود الاحتلال، هنا سيدات فضليات ووسطهن عاهرة!!! القاهرة عند نجيب محفوظ تعنى الكثير فقد تناول انفتاح القاهرة على الصحراء (القاهرة المعزية)، وامتدادها أيضا في الريف المصري، وكذلك تناول محفوظ تمتع وسط مدينة القاهرة (وسط البلد) بالمعمار الأوروبي مما جعل للقاهرة روح خاصة في روايات نجيب محفوظ. فغدت القاهرة بكل أزقتها وحواريها وشوارعها وميادينها واحدة من أكثر المدن ثراءً للكتابة عنها أو جعلها بطلا لعمل روائى.

المرأة والمجتمع المعاصر كانا محوران يدور حولهما أيضا جزء كبير من الإنتاج الدبي لمحفوظ، فمنذ بداية إنتاج محفوظ أعطى للمرأة ولوضعها الاجتماعي اهتماما كبيرا في كتاباته، فقد كتب مقالة شيقة وهو لا يزال في التاسعة عشرة من عمره نشرت بمجلة " السياسة" الأسبوعية في عددها رقم 40 الصادر بتاريخ 10/11/1930 تحت عنوان " المرأة والعمل في الوظائف الحكومية"، وهذا الاهتمام وضح جدا في رسمه للشخصيات النسائية في أعماله الروائية، من منا لا يتذكر " الست أمينة" بطلة الثلاثية تلك الزوجة الخانعة الخاضعة، التي لا تعرف للدنيا هما سوى رضا الزوج، من ينسى "نور" بطلة " اللص والكلاب" تلك العاهرة الطيبة؟، " نوال" بطلة " خان الخليلي" المرأة الرقيقة الهادئة المطيعة الخاضعة للعرف السائد في وسطها الاجتماعي.. " عبلة شداد " رمز الطبقة الأرستقراطية في ثلاثية محفوظ، وغيرهن من أنماط النساء ليس في مصر فقط بل في العالم كله.

كان ولازال وسيبقى نجبي محفوظ، هو الابن البار للحسين والجمالية، هو التلميذ النجيب لمدرسة الحياة المصرية، وسيظل النبع الذي لا ينضب من العطاء، فما خطه نجيب محفوظ على مدار 75 عاما سيبقى كنزا ننهل منا ما حيينا، رحمة الله عليك يا أستاذي وأبي ومعلمي.

No comments: